الطبراني
130
التفسير الكبير ( تفسير القرآن العظيم )
أعدائهم . وأمّا مخادعة أنفسهم فضرر ذلك عليهم . قال اللّه تعالى : وَما يَخْدَعُونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ ؛ لأنّ وبال الخداع عائد إلى أنفسهم فكأنّهم في الحقيقة إنّما يخدعون أنفسهم « 1 » . قوله تعالى : وَما يَشْعُرُونَ ( 9 ) ؛ أي وما يعلمون أنه كذلك . والشعر : هو العلم الدقيق الذي يكون حادثا من الفطنة ؛ وهو من شعار القلب ؛ ومنه سمي الشاعر شاعرا لفطنته لما يدقّ من المعنى والوزن ، ومنه الشعر لدقّته . ويقال : ما شعرت به ؛ أي ما علمت به . وليت شعري ما صنع فلان ؛ أي ليت علمي . واختلف القرّاء في قوله تعالى : ( وَما يَخْدَعُونَ ) فقرأ نافع ؛ وابن كثير ؛ وأبو عمرو : ( يخادعون ) بالألف . وقرأ الباقون : ( يخدعون ) بغير ألف على أشهر اللغتين وأفصحهما ؛ واختاره أبو عبيد . ولا خلاف في الأول أنه بالألف . قوله عزّ وجلّ : فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ ؛ أي شكّ ونفاق ، وسمي النفاق مرضا لأنه يهلك صاحبه ؛ ولأنه يضطرب في الدّين يوالي المؤمنين باللسان ؛ والكفار بالقلب ؛ فحاله كحال المريض الذي هو مضطرب بين الحياة والموت . وقيل : إنّ الشكّ ؛ أي بالقول : ألم القلب ، والمرض : ألم البدن . فسمّي الشكّ مرضا لما فيه من الهمّ والحزن . وقيل : سمي النفاق مرضا ؛ لأنه يضعف الدّين واليقين كالمرض الذي يضعف البدن وينقص قواه ؛ ولأنه يؤدّي إلى الهلاك بالعذاب كما أن المرض في البدن يؤدّي إلى الهلاك بالموت . قوله تعالى : فَزادَهُمُ اللَّهُ مَرَضاً ؛ أي شكّا ونفاقا وعذابا وهلاكا . والفاء في ( فَزادَهُمُ اللَّهُ ) بمعنى المجازاة . وقيل : على وجه الدّعاء ، وَلَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ ؛ أي موجع يخلص وجعه إلى قلوبهم ؛ وهو بمعنى مؤلم . قوله تعالى : بِما كانُوا يَكْذِبُونَ ( 10 ) ؛ قال بعضهم : الباء في ( بما ) صلة ؛ أي لهم عذاب أليم بكذبهم وتكذيبهم اللّه ورسوله في السرّ ؛ فيكون ( ما ) مصدرية ؛ والأولى إعمال الحروف . و ( ما ) وجد لها مساغ ؛ أي بالشّيء الذي يكذّبون .
--> ( 1 ) النفس هنا : ذات الشيء وحقيقته ، ولا تختصّ بالأجسام لقوله تعالى : تَعْلَمُ ما فِي نَفْسِي وَلا أَعْلَمُ ما فِي نَفْسِكَ [ المائدة : 116 ] .